الذكاء الاصطناعي في العمل: الموظفون يسبقون الشركات
في فرنسا، يستخدم 59% من الموظفين الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل بالفعل، لكن 43% منهم لا يحصلون على أي دعم: الحوكمة تتأخر عن وتيرة الاستخدام، بحسب دراستين صدرتا عام 2026.

في فرنسا، ترسّخ الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل اليومي بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الشركات على وضع إطار له. وبحسب دراسة «Great Insights 2026» الصادرة عن Great Place To Work، يستخدم 59% من الموظفين بالفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي في عملهم، وترتفع هذه النسبة إلى 71% بين المديرين و74% بين من هم دون سن الخامسة والثلاثين. غير أن هذا الانتشار يبقى إلى حد كبير غير رسمي: يجرّب كثير من الموظفين بمفردهم، باستخدام أدواتهم وتعليماتهم الخاصة، وغالبًا بعيدًا عن أعين الإدارة. وتؤكد دراسة ثانية أجرتها OpinionWay لصالح شركة برمجيات الموارد البشرية Factorial على عيّنة من 1028 موظف مكتبي فرنسي، وتوسّع هذا التشخيص: فقد فاجأ حجم هذا التحوّل الموظفين أنفسهم بقدر ما فاجأ أصحاب العمل.
تبنٍّ يقوده الأصغر سنًا
يُظهر استطلاع OpinionWay-Factorial، الذي أُجري بين 21 و27 يناير 2026، أن 42% من الموظفين المكتبيين يرون أن حجم استخدامهم الحالي للذكاء الاصطناعي كان «لا يمكن تخيّله» قبل عام واحد فقط. والتحوّل واضح بشكل خاص لدى العاملين الشباب: فـ60% ممن هم دون الخامسة والثلاثين لم يتوقعوا مثل هذا الحضور الطاغي لهذه الأدوات في حياتهم اليومية، ويعهد 45% منهم اليوم بجزء كبير من عملهم إلى الآلة. بالنسبة لهذا الجيل، لم يعد الذكاء الاصطناعي خيارًا بل أصبح سندًا لا غنى عنه: يرى 45% ممن هم دون الخامسة والثلاثين أنهم سيكونون «أقل فعالية بكثير» بدونه، مقابل 24% فقط بين مجمل الموظفين المستطلَعين.
فراغ في الحوكمة يثير القلق
هذه الوتيرة الفردية تسبق بكثير وتيرة الشركات نفسها. وبحسب Great Place To Work، يقول 43% من الموظفين إنهم لا يحصلون على أي دعم فيما يخص الذكاء الاصطناعي، وحين يوجد إطار عمل، يبقى محدودًا للغاية: فلا يتاح سوى لـ25% الوصول إلى أدوات معتمدة من إدارتهم، و18% إلى تدريب، و14% إلى توعية أخلاقية. وتذهب دراسة OpinionWay أبعد من ذلك: يرى 56% من الموظفين المكتبيين أن شركتهم تتركهم «يدبّرون أمورهم بأنفسهم»، دون قواعد أو إطار واضح — وهذا الشعور بالإهمال أقوى في المؤسسات الكبرى، إذ يبلغ 61% في الشركات المتوسطة الكبيرة و58% في المجموعات الكبرى. ويعرّض هذا الفراغ الشركات لمخاطر حقيقية تتعلق بتسرّب البيانات والاستخدام غير المضبوط، وهو ما يسمّيه الخبراء «الذكاء الاصطناعي الخفي» (shadow AI).
أصبحت الشركات تركض خلف الذكاء الاصطناعي الخفي لاستعادة السيطرة على أمر يحدث بالفعل.
- يقدّم 26% من الموظفين — و47% ممن هم دون الخامسة والثلاثين — محتوى أنتجه الذكاء الاصطناعي إلى حد كبير على أنه عملهم الخاص
- شعر 22% بالفعل بالحرج أو الخجل عند تلقّي الثناء على عمل أنجزته الآلة فعليًا، وترتفع هذه النسبة إلى الضعف تقريبًا بين الشباب (41%)
- لم يعد 23% يعرفون إن كانت فكرة ما قد جاءت منهم فعلًا أم من الذكاء الاصطناعي
- يلاحظ 41% أثرًا أشبه بـ«الأواني المستطرقة»: الوقت الذي يُوفَّر في المهام الشاقة يُفقَد من جديد في مراجعة إجابات الذكاء الاصطناعي أو في صياغة تعليمات شاقة
- يعترف 24% بأنهم يقضون وقتًا مفرطًا في تنقيح إجابات الذكاء الاصطناعي بدل التقدّم فعليًا في عملهم
شركات بدأت في وضع أطر عمل
أمام هذا التفاوت، تحاول بعض المؤسسات استعادة زمام المبادرة. فقد أطلقت إدارة Deloitte أداة داخلية باسم «Deloitte Chat»، مبنية على نماذج أساسية معروفة في السوق لكن مزوّدة بضوابط خاصة، إلى جانب أدوات ذكاء اصطناعي متخصصة بحسب المهنة: القانون، التدقيق، تفريغ المقابلات. ومن المفترض أن تتيح شراكة عالمية وقّعتها الشركة مع Anthropic نشر Claude تدريجيًا بين موظفي المجموعة. وتؤكد الشركة أنها دربت أكثر من 90% من موظفيها في فرنسا على ميثاق للاستخدام المسؤول، وتجعل من المديرين خط الإشراف الأول على ممارسات فرقهم مع الذكاء الاصطناعي. ويرى ميك ليفي أن التحدي الحقيقي ليس تقنيًا بل تنظيميًا: بناء حوكمة، وإعادة النظر في العمليات من البداية إلى النهاية، وتحديد ما يمكن أتمتته — وإلا فإن الوقت الذي يوفّره الذكاء الاصطناعي قد يذوب في «حضور شكلي جديد» مكوّن من رسائل بريد إلكتروني ومحتوى زائد عن الحاجة.
ماذا يعني هذا للشركات في المنطقة العربية
فرنسا ليست حالة استثنائية: الفجوة نفسها بين الاستخدام الفردي للذكاء الاصطناعي وحوكمة الشركات تظهر أينما وصل الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مكان العمل، ولا تختلف الشركات في المنطقة العربية عن ذلك. بالنسبة لأي شركة، لم يعد هذا مجرد تفصيل يخص الموارد البشرية، بل خطر تشغيلي مباشر. فمن دون سياسة داخلية واضحة — أدوات معتمدة، تدريب، ضوابط على البيانات السرية — يترسّخ «الذكاء الاصطناعي الخفي» بحكم الأمر الواقع، بعواقب ملموسة: تسرّب معلومات حساسة إلى خدمات موجهة لعامة الجمهور، أو قرارات تُبنى على محتوى غير موثّق، أو توترات داخلية حول نسب العمل الإنساني الحقيقي إلى أصحابه. في المقابل، فإن المؤسسات التي تضع إطار عمل مبكرًا — أدوات مضبوطة، تدريب مستمر، دور فعّال للمديرين، على غرار ما تفعله Deloitte — تحوّل استخدامًا فرديًا متناثرًا إلى رافعة إنتاجية جماعية ومضبوطة. وهذه مسألة تعني الشركة الصغيرة والمتوسطة بقدر ما تعني المجموعة الكبرى، في وقت يتحوّل فيه تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الشركات إلى أولوية، بينما يوشك الذكاء الاصطناعي الوكيل على تجاوز إنتاج النصوص إلى تنفيذ مهام كاملة بشكل مستقل.
المصادر
- L'IA au travail : les salariés accélèrent, les entreprises suivent ?Great Place to Work France · ٥ يونيو ٢٠٢٦
- IA au bureau : Vers une nouvelle réalité professionnelleGPO Magazine · ١٢ فبراير ٢٠٢٦


